أحمد مصطفى المراغي

23

تفسير المراغي

قبورهم ومجازاته إياهم بأعمالهم : أفّ لكما : إني لضجر منكما ، أتقولان إني أبعث من قبرى حيا بعد موتى وفنائي ، وما لحقني من بلى وتفتت عظام ؟ إن هذا لعجب عاجب فها هي ذي قرون مضت ، وأمم قد خلت من قبلي كعاد وثمود ولم يبعث منهم أحد ، ولو كنت مبعوثا بعد وفاتي كما تقولان لبعث من قبلي من القرون الغابرة ؛ ألا ترى إلى قول من قال : ما جاءنا أحد يخبّر أنه * في جنة لمّا مضى أو نار وزعم مروان بن الحكم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضى اللّه عنه ، وقد ردت عليه عائشة رضى اللّه عنها . أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبد اللّه قال : إني لفى المسجد حين خطب مروان فقال : إن اللّه قد رأى لأمير المؤمنين ( يعنى معاوية ) في يزيد رأيا حسنا أن يستخلفه ، فقد استخلف أبو بكر وعمر ، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر : سنة هرقل وقيصر « 1 » إن أبا بكر رضى اللّه عنه ما جعلها في أحد من ولده ولا أحد من أهل بيته ، ولا جعلها معاوية إلا رحمة وكرامة لولده ، فقال مروان : ألست « الّذى قال لوالديه أفّ لكما » فقال عبد الرحمن : ألست ابن اللعين الذي لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أباك ، فسمعت عائشة فقالت لمروان : أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا ، كذبت واللّه ما فيه نزلت ، نزلت في فلان بن فلان . والحق أن الآية لم ترد في شخص معين ، بل المراد كل شخص يقول أمثال هذه المقالة فيدعوه أبواه إلى الإيمان بالبعث وإلى الدين الصحيح فيأبى وينكر . ( وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ) أي ووالداه يستصرخان اللّه عليه ، ويستغيثانه أن يوفقه إلى الإيمان بالبعث ، ويقولان له حثا وتحريضا : هلاكا لك ، صدّق بوعد اللّه ، وأنك مبعوث بعد وفاتك ، إن وعد اللّه الذي وعده خلقه أنه باعثهم من قبورهم ومخرجهم منها إلى موقف الحساب لمجازاتهم حق لا شك فيه .

--> ( 1 ) يريد أن البيعة لأولاد الملوك ستة ملوك الروم ، وهرقل : اسم ملك الروم .